السيد الخوئي

615

غاية المأمول

وبهذا ظهر أيضا وجه تقديم الاستصحاب على سائر الأصول من البراءة والاشتغال ، فإنّ دليل الاستصحاب يقول : افرض نفسك متيقّنا في ظرف الشكّ ، وحينئذ فمع جريان الاستصحاب لا يبقى شكّ ليتحقّق موضوع البراءة وهو : « قبح العقاب بلا بيان » ، أو « رفع ما لا يعلمون » لأنّ الشارع فرض الاستصحاب يقينا فهو بيان وعلم بجعل الشارع وتعبّده فلا يكون العقاب بلا بيان وعلم . قال الأستاذ الخوئي أيّده اللّه تعالى : الوجه في تقديم الاستصحاب على سائر الأصول المحضة هو أنّ الشارع فرض الشاكّ لولا جريان الاستصحاب متيقّنا بجريان الاستصحاب ، فمع فرض كونه متيقّنا لا يبقى مجال للأصول المحضة الّتي موضوعها عدم البيان أو عدم العلم أو عدم العلم بالفراغ في قاعدة البراءة عقليّة أو شرعيّة وقاعدة الاشتغال ، وحينئذ فينتفي ببركة الاستصحاب عدم العلم إلى العلم وعدم البيان إلى البيان فلا تجري بقيّة الأصول المحضة . ووجه تقديم الأمارة على الاستصحاب هو أنّ الأمارة لم يؤخذ في موضوعها عدم العلم لفظا ، وإنّما قيّدت به عقلا ، إذ جعل الطريق للعالم لا معنى له فدليلها مطلق من حيث كون العامل بها عالما أم لا إلّا أنّه قيّدها العقل بغير العالم وجدانا ، وأمّا العالم تعبّدا كما في الاستصحاب فلم تقيّد به ، ولذلك تجري حتّى في مورده ؛ لأنّ العقل الّذي قيّدها بالعلم الوجداني لم يقيّدها بالعلم التعبّدي ، وحينئذ فهو أمارة أيضا إلّا أنّه حيث لا أمارة ، أمّا مع وجودها فأماريّته منتفية . وإن أبيت عمّا ذكرناه فسيأتي في المتعارضين بنحو العموم من وجه من جملة المرجّحات لأحدهما على الآخر ما إذا كان تقديم أحدهما غير تارك العامّ الثاني بلا مورد ، بل يبقى له موارد كثيرة ، بخلاف تقديم الثاني فهو معدم لمورد الأوّل فيتقدّم ما يبقى بتقدّمه للثاني موارد كثيرة ، وهو في المقام كذلك ، فإنّا إذا قدّمنا الأمارة يبقى للاستصحاب موارد كثيرة وهي الموارد الخالية عن الأمارة ، أمّا إذا قدّمنا الاستصحاب ، لا يبقى للأمارة مورد إلّا نادرا ، فإنّ كلّ أمارة إنّما تقوم على أمر حادث فهو مسبوق بالعدم ، هذا ملخّص ما أفاده في مجلس الدرس .